الحلبي

239

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ولما خلعوا : أي أهل المدينة بيعة يزيد ولوا عليهم عبد اللّه بن حنظلة غسيل الملائكة وأخرجوا والي يزيد من المدينة وهو مروان بن الحكم وبني أمية حتى قال بعضهم : ما خرجنا عليه حتى خفنا أن نرمى بحجارة من السماء ، فكانت وقعة الحرة المشهورة التي كادت تبيد أهل المدينة عن آخرهم ، قتل فيها الجم الكثير من الصحابة والتابعين . وقيل المقتول فيها من الصحابة ثلاثة : منهم عبد اللّه بن حنظلة ، ونهبت المدينة ، وافتض فيها ألف عذراء : أي ولم تقم الجماعة ولا الأذان في المسجد النبوي مدة المقاتلة وهي ثلاثة أيام . وفي كلام بعضهم : ووقع من ذلك الجيش الذي وجهه يزيد للمدينة ، من القتل ، والفساد العظيم ، والسبي ، وإباحة المدينة ، وقتل من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ومن التابعين خلق كثيرون . وكانت عدة المقتولين من قريش والأنصار ثلاثمائة وستة رجال ، ومن قراء القرآن نحو سبعمائة نفس . وفي التنوير لابن دحية : وقتل من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمائة ، ومن حملة القرآن سبعمائة ، وجالت الخيل في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وراثت بين القبر الشريف والمنبر ، واختفت أهل المدينة حتى دخلت الكلاب المسجد وبالت على منبره صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يرض أمير ذلك الجيش من أهل المدينة إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم خول : أي عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق ، حتى قال له بعض أهل المدينة : البيعة على كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم فضرب عنقه . وروى البخاري « أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما لما أرجف أهل المدينة يزيد دعا بنيه ومواليه وقال لهم : إنا بايعنا هذا الرجل على بيعة اللّه وبيعة رسوله ، وإنه واللّه لا يبلغني عن أحد منكم أنه خلع يدا من طاعته إلا كان التنصل بيني وبينه ثم لزم بيته » ولزم أبو سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه بيته أيضا ، فدخل عليه جمع من الجيش بيته ، فقالوا له : من أنت أيها الشيخ ؟ فقال : أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : قد سمعنا خبرك ، ولنعم ما فعلت حين كففت يدك ولزمت بيتك ، ولكن هات المال ، فقال : قد أخذه الذين دخلوا قبلكم عليّ وما عندي شيء ، فقالوا كذبت ونتفوا لحيته . وأما جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه ، فخرج في يوم من تلك الأيام وهو أعمى يمشي في بعض أزقة المدينة ، وصار يعثر في القتلى ويقول : تعس من أخاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له قائل من الجيش : من أخاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ ، فحمل عليه جماعة من الجيش ليقتلوه ، فأجاره منهم مروان وأدخله بيته » . قال السهيلي : وقتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار رضي اللّه